Menu

السودان وتجارب مخطط التقسيم

 

السودان وتجارب مخطط التقسيم

صدر مؤخراً كتاب بعنوان: (القبائل وتشكيل الدولة في الشرق الأوسط) للكاتبين فليب خوري، وهو أستاذ التاريخ بمعهد ماساتوتس للتكنولوجيا، ومؤلف مجموعة كتب ذات صلة بهذا الموضوع، وجوزيف كوستنر، المحاضر في شئون الشرق الأوسط بجامعة تل أبيب، وصاحب كتاب (الاستراتيجية الثورية لليمن الجنوبي 1970- 1985). هذا الكتاب الذي يتحدث عن دور القبيلة في الحكم في السابق، والدور الذي يمكن أن تلعبه في الحاضر والمستقبل، إنما يأتي تتويجاً لعدد من الدراسات والبحوث التي تمت في هذا الصدد، والتي تصب جميعها في اتجاه واحد، هو إعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط، وذلك إما على أساس قبلي، أو أساس طائفي، أو أساس إثني. وبالرجوع إلى بعض التصريحات في هذا الشأن يتضح شكل هذا المخطط.


فهذا دانفورث يدلي ببعض التصريحات في مجلة السياسة الدولية التي صدرت مؤخراً، حيث يرى أن "الطريقة المريبة التي استلم بها داعش الكثير من المناطق العسكرية، ساعدت الأكراد في أن يستولوا على كركوك دون أن تتحرك الحكومة المركزية في العراق، مما يجعل الحظوظ أوفر للاعتراف باستقلال الإقليم، وهذا يجعل تلك المنطقة خاضعة بأسرها وبشكل كامل للتقسيم".


كما أن الشيعة العراقيين صاروا يرون أن تدخل الجنود الإيرانيين إلى جانبهم، ووجودهم داخل الأراضي العراقية، إنما هو أخوة في الدين وليس غزوَ فُرس.. أما في حديثه عن اليمن فإنه يقول: "من المرجح الوصول إلى سيناريو التفتيت الكبير..".


أما عراب مشروع التقسيم كما يطلق عليه بعض الخبراء وتشير إليه بعض الدراسات فهو المؤرخ والباحث الأمريكي البريطاني برنارد لويس، والذي تتفق هذه الدراسات على أنه صاحب أول مخطط مكتوب ومدعم بالخرائط لتقسيم المنطقة، وقد وضع هذه الخطة سنة 1980م، تحت عنوان: (التعامل مع دول متهاوية، واستراتيجية موازين القوى الغربية والاسرائيلية للهلال الخصيب)، ومن جانب آخر نشرت (مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدمة)، وهو مركز له مقران في القدس وواشنطن دراسة تتحدث عن قضايا الشرق الأوسط، ونذكر منها بعض النقاط:


- مستقبل العراق سيؤثر بشكل عميق للغاية على كل موازين القوى في الشرق الأوسط، فالمعركة لإعادة تعريف هذا البلد والسيطرة عليه هي باستتباع معركة للسيطرة على ميزان القوى في الشرق الأوسط على المدى البعيد.


- وترى المؤسسة أن الحل يكمن في إعادة بناء دولٍ عربية جديدة تتمحور حول العائلات والقبائل...


وتدعيما لهذا الرأي نذكر بتصريح رئيس جهاز الموساد السابق لصحيفة يديعوت أحرنوت: (إن ضرب العراق سيحدث زلزالاً إقليمياً سيؤدي إلى إعادة تشكيل القوى في المنطقة، كما نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية الاثنين 2014/09/29م مقالا تحليليا للباحث والأكاديمي في معهد السلام الأمريكي روبن رايت يرسم فيه ملامح خريطة جديدة للشرق الأوسط، تتحدد من واقع الاضطرابات والحروب الأهلية والانقسامات التي تضرب الشرق الأوسط بالكامل. وحسب ما ذكر رايت فإن الانقسامات لا تطال البلدان المضطربة فحسب بل ستنتقل إلى دول مستقلة. ولا يفوتنا في هذا المقام أن نذكر بما أورده شمعون بيريز رئيس وزراء كيان يهود الأسبق.


بالنظر إلى كل هذه التصريحات باختلاف أزمنتها وأماكن صدورها، إلا أنها تتفق على أمر واحد هو تقسيم الشرق الأوسط، وعمدة هذه الأفكار ما صدر في المقال الذي نشر في دورية آرمز فورسيس (القوات المسلحة الأمريكية) في يونيو عام 2006م، والذي تزامن مع تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندليزا رايس بالشرق الأوسط الجديد، وبالرغم من أنه لم يصدر تبنٍّ لها من قبل وزارة الدفاع الأمريكية، إلا أنه وبحق كما اعتبره الخبراء والمحللون بمثابة التقديم النظري لاستراتيجية إعادة تشكيل الشرق الأوسط على أساس الانتماءات القبلية والإثنية والطائفية.


ومن أهم ما تطرق له المقال، أن هذه الحدود غير العادلة التي فرضت على المنطقة بطريقة اعتباطية، والتي رسمتها المصالح الخاصة للأوروبيين الانتهازيين (بريطانيا وفرنسا)، هذه الحدود فرقت هؤلاء الناس على أساس غير عادل، أحدثت فرقاً هائلا أدى إلى القمع والإرهاب والعنف، مما هدد السلم في المنطقة.


وقد وضعت خارطة جديدة يتم تقسيم خمس دول هي: العراق وسوريا والأردن والسعودية وإيران إلى أربع عشرة دولة، ويذكر المقال الرافضين لهذا التقسيم أن الحدود ظلت تتغير عبر القرون ولم تكن ثابتة أبدا، وتقول حقيقة قذرة نتعلمها من تجربة خمسة آلاف سنة من التاريخ وهي أن أعمال التطهير العرقي تنجح في تغيير الحدود.


وبالانتقال إلى واقع ما يجري على الأرض من تحويل كل أعمال الانتفاضات التي حدثت في المنطقة إلى اقتتال على أساس قبلي أو طائفي أو إثني، ومن السماح بالتدخل الإثني من قبل أكراد العراق في منطقة عين العرب (كوباني) ومطالبة أكراد تركيا بالقيام بنفس الشيء، ومحاولة أمريكا تسليح القبائل السنية في العراق، وتحويل الحرب في سوريا إلى حرب أهلية، والاقتتال في ليبيا على أساس قبلي، واليمن على الأساس الطائفي، كل هذه الأحداث تؤكد أن ما يجري هو جزء من مخطط التقسيم الذي يجري على قدم وساق، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة أين السودان من هذا المخطط؟ الإجابة ما نرى لا ما نسمع، ومن الواضح أن السودان هو فأر التجربة في التقسيم؛ فقد فصل الجنوب، وها هي دارفور قد أعطيت وضعا خاصا، وكما سمعنا أن حركة تحرير السودان قطاع الشمال تطالب بالحكم الذاتي لجبال النوبا وجنوب النيل الأزرق. وهذه القبائل تتقاتل وقد صار عدد القتلى بالعشرات وانتقل القتال إلى استخدام الأسلحة الثقيلة حتى إن وزير الدفاع وصف القتال القبلي بأنه يشكل خطرا أشد من الحركات المسلحة وهو ما يشكل مبررا دوليا للتدخل.


فهل سنتفرج على أجسادنا وهي تتمزق؟ نعم إن موقف النظام كان موقفا مخزياً مما جعل إطلاق وصف (فأر التجارب) على السودان حقيقة، ولكن كلا وألف كلا أن نسمح بتكرار التجربة، وإننا نريد لهذه الحدود أن تزول نهائياً من على الخارطة، ولكن ليس ليعاد تقسيم المقسم، وتفتيت المفتت، بل لإعادة الوضع كما كان عليه، وكما أراده ربنا سبحانه وتعالى، وكما بشر بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة». إن الموضوع أكبر مما ذكر، ولكن هذا ما يتيح به المقام.

 

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
المهندس/ حسب الله النور

عد إلى الأعلى