Menu

من هي الحرّة؟

 

من هي الحرّة؟


تفتخر العرب بالمرأة الحرة فيُمدح الرجل بالحرائر من أهله وتُمدح المرأة بأنها "حرّة" ومن ذلك المثل العربي: "تموت الحرة ولا تأكل بثدييها"، وقد كان العرب في الجاهلية في معاركهم إن أرادوا قتل أعدائهم عقب المعركة يسألوا المرأة المرافقة للجيش هل أنت حرة أم أمة! فإن قالت حرة قتلوها وإن قالت أمة تركوها، رغم ذلك لم تقبل الحرة على نفسها كي تنجو من القتل أن تخلع عنها صفة أنها حرة! فما سر ذلك؟


لقد كرم الله الإنسان وزاد في تكريمه للمرأة بأن حفظها وصانها في كل حركاتها وسكناتها فأنزل الأحكام الشرعية التي تضمن لها قيامها بواجبها العظيم في تربية أبناء المسلمين وفي السهر على سير المجتمع في طريق البناء والاستقرار والطمأنينة، فأوكل لها أعظم مهمة في مجتمعه ألا وهي تربية رجال المستقبل وتهيئتهم لمهام عظام سيضطلعون بها حالما ينضجون ولذلك فقد حرص الشارع على صونها وحفظها وتكريمها.


قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.


إن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، حصل في فهمه لغط كبير وخاصة من النساء في العصر الحديث، فمنهن من ادعت أن هنا يوجد "لا" مخفية، يكتمل المعنى بها كي يصبح: أدنى أن لا يعرفن فلا يؤذين، ذلك أن الموضوع في الآية هو ستر الجسم، فبالتالي كان التفكير المنطقي عندهن يقضي بأن من تلبس اللباس الشرعي سوف تختبئ فيه فلا تظهر ملامحها ولن تُعرف من الناس وبالتالي لن تؤذى! ولكنه كلام جانب الصواب وتفسير خطأ.


لقد ميز الإسلام في تشريعاته الدقيقة وفي أحكامه الربانية بين الأحكام التي للرجل والأحكام التي للمرأة وبين الأحكام التي للرجل الحر أو للعبد وكذلك التي للمرأة الحرة أو للأمة. فحين فرض الصلاة فرضها على الرجل كما فرضها على المرأة ولكنه أعفى المرأة من الصلاة حين الحيض. وحين فرض تعالى الجهاد على الرجال فرضه على الرجل الحر ولم يفرضه على العبد، وكذلك حين بين الشرع العورات، ميز بين عورة الحرة وبين عورة الأمة، ففرض على الحرة ستر كل جسدها عدا الوجه والكفين لكنه لم يطلب من الأمة إلا أن تستر ما بين السرة والركبة مع أنها امرأة.


وقد كانت المرأة الحرة في الجاهلية تميز نفسها عن الإماء بتغطية الرأس أو جزء منه لكن في الإسلام نزلت آيات تكريم الحرائر مبينة مفصلة للحرة كيف تلبس وتتستر كي تحافظ على مظهرها الذي يؤكد أنها حرة لا عبدة، فكانت آيتا الخمار والجلباب واضحتين تمام الوضوح بأن الحرائر يرتدين هذا اللباس الشرعي بينما يُمنع عن الإماء.


قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.


فهذا الخمار أمر الشارع المرأة الحرة أن تضربه على صدرها فلا يظهر منها ما تحت الرقبة بعد أن تسدله من رأسها ليغطي كامل رأسها ثم جيدها حتى ما تحت ترائبها. وذاك هو الجلباب الذي تلبسه من كتفيها وتنزله حتى قدميها فضفاضاً غير شافٍّ ولا واصف لا يُظهر منها أي شيء، فتحرص الحرة على مظهرها الذي يميزها عن الأمة التي تباع وتشترى.


ومع أن الشرع عمِل على تحرير العبيد والإماء إلا أنه أتى بأحكام تتناسب مع وجودهم وما يقومون به في حال وجودهم، والذي ليس بالضرورة هو سلبي. وهو موضوع يحتاج لتفصيل وتوضيح ليس مجاله هنا.


فالأمة أو العبدة كانت تسير في الطرقات وتمشي في الأسواق في ظل الدولة الإسلامية حاسرة عن رأسها كاشفة لما يظهر من جسدها فعندما يراها الناس يعرفون فوراً أنها ليست حرة بل أمة تباع وتشترى، فكان بعض الرجال يقتربون من الأمة يسألونها من سيدها وكم ثمنها حتى يذهبوا لصاحبها ويشتروها منه، ولكن إن حدث هذا مع حرة فإنها تعتبر إهانة ما بعدها إهانة ليس فقط للمرأة وإنما أيضاً لهيبة الدولة الإسلامية، وما أمر المرأة التي كشف اليهودي من بني قينقاع عن ساقها في المدينة بخديعة منه عنا ببعيد حيث أجلى عليه الصلاة والسلام بني قينقاع عن المدينة نتيجة ذلك، ولا قصة المرأة المسلمة في عمورية (مدينة أفيون في تركيا حالياً) والتي صرخت وامعتصماه فأنجدها الخليفة بجيش جرار فتح بلدها وأدب من اعتدى عليها إلا وتتذاكره الأجيال المسلمة ونتفاخر به.


هاتان حادثتان؛ واحدة في حمى الإسلام وتحت ظل حكمه وأخرى خارج حدود الدولة الإسلامية أي في دار الكفر. إلا أن الحفاظ على المرأة المسلمة الحرة والدفاع عن كرامتها وعن ستر جسدها تحتل عند المسلمين أعلى المراتب وهكذا يجب أن تكون. وقد روي عن الفاروق عمر أنه كان حين يسير في الطرقات فيلقى أمة ساترة لرأسها أو لزندها أنه يضربها بدرته ويأمرها بكشف رأسها وزندها وأن لا تتشبه بالحرائر.


لقد أغرقت الحضارة الرأسمالية وما نتج عنها من مفاهيم مغلوطة وهجمة فكرية مقصودة المسلمات في مستنقع من المصائب من أهمها النظرة لهذا الأمر فدفعت هذه المفاهيم بعض النساء المسلمات الحرائر للتخلي عن هذه المكرمة بتركها لأهم صفة فيها وهي أنها حرة حين نزعت اللباس الشرعي عن جسمها فنزلت بذلك من كونها حرة إلى صفات الإماء والجواري فما عادت تحافظ على ما حافظ لها عليه الإسلام فأصبحت المرأة المسلمة تكشف عن شعرها وتظهر كتفيها وذراعيها وأكثر من ذلك فتشبهت بالإماء بل إن بعض نساء المسلمين أردن التستر ففعلن ما هو عكسه حين لبسن الضيق من الثياب واستعضن عن الخمار بالإشارب الواصف والمظهر لبعض الشعر والرأس وعن الجلباب بالبنطال فابتعدن عن لباس وصفات الحرائر وتشبهن بل لبسن لبوس الإماء، فانتشر امتهان كرامة النساء والتحرش بهن والاعتداء عليهن وكأنهن جوارٍ أو إماء، دون أن تدرك المرأة المسلمة أنها هي التي رضيت بخلع رداء العزة والكرامة حين تخلت عن الالتزام بلباس المسلمات الحرائر ونزلت إلى لباس المسلمات الإماء، فلم يعد يشملها القول العظيم الرائع الذي هو تاج على رؤوسنا جميعاً قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾.


فيا أخواتي ويا بناتي، كن مسلمات حرائر ولا تتشبهن بملك اليمين فإن الحرة يدافع عنها المسلم الحر بروحه ويفديها بالغالي والنفيس، لأنها عرض يجب أن يُصان لا أمة تظهر جسمها لكل راغب، نسأل الله أن ينعم على نساء الأمة بخلفاء كعمر والمعتصم يحفظوا للحرة حقها ويدافعوا عنها ويكرموها.

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم تقي الدين الشامية

عد إلى الأعلى