PDF

هدم الخلافة أمُّ المحن والعمل لإقامتها أعظم المنح

 

 

إن الابتلاءات سنّة إلهية وما هذه الدار إلا دار امتحان وابتلاء، يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾. فلا بدّ أن يُبتلى الإنسان سواء بما يسرّه أو ما يسوءه، وهذه سنّة الله في اختبار عباده ليمحص إيمانهم. ومن نعمة الله تعالى على عبده المؤمن أنَّ أمره كلَّه خيرٌ، فهو في نعمة وعافية في جميع أحواله، ذلك أن “العقيدة حق يعتنق لذاته، والمؤمن لا يجرب إلهه؛ فهو قابل ابتداءً لكل ما يقدره له، مستسلم ابتداءً لكل ما يجربه عليه، راضٍ ابتداء بكل ما يناله من السراء والضراء” (من ظلال القرآن لسيّد قطب).

وإن من أعظم ما يبتلى به المؤمن هي المصيبة في الدين فقد يعوّض الإنسان عن مصائبه في الدنيا في النفس والعرض والمال بخير منها وتُحطّ السيئات وتُرفع الدرجات إلا الدّين فلا فداء له. لذا كان من دعاء النبي ﷺ «وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِى دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لاَ يَرْحَمُنَا» أَخْرَجَهُ الترمذي. وما إصرار حكام المسلمين على إغلاق المساجد وتماديهم في تعطيل صلاة الجمعة وتعليق الجماعات وحرمان المسلمين من ارتياد المساجد وصلاة التراويح في هذا الشهر المعظم بسبب فيروس كورونا، إلا مثال بسيط وكربة من كرب شتى نتيجة غياب الإمام الحارس للإسلام المطبّق له، وما تدنّي مستوى معيشة النّاس، وارتفاع معدّلات الفقر، وغلاء الأسعار، وازدياد معدّلات البطالة، وما يتبعها من تخفيض متعمّد للأجور، وما انكسار المسلمين وانقصام ظهورهم إلا لفقدانهم السند، دولة الخلافة، ففقدانها فاجعة وهدمها أكبر مصاب حلّ بالمسلمين بعد وفاة النبيّ الأكرم عليه أفضل الصلاة والسلام.

لقد كشف هذا الفيروس النقاب عن وهن النظام الرأسمالي وجشعه، وعرّى النظام الصحّي، وفكّك الاتّحاد الأوروبي، وقدّم كواليس النظام الليبرالي وصورته الحقيقية بلا رتوشات. هذه الجائحة كانت اختبارا شاملا للدوّل التي صُنّفت نامية بعد استباحة ثرواتها وانتهاك مقدّراتها، والدّول النّاهبة التي زعمت تقدّمها على حدّ سواء، وتبيّن في كليهما عجز النّظام الرأسمالي عن إدارة هذه الأزمة وعن خلل سياساته وقصورها. هذا النّظام الذي سعى باستمرار للتغوّل وتكديس الأرباح على حساب الأرواح، حتّى في هذه الظروف تفشّت كل مظاهر الأنانيّة والاستغلال والجشع على جميع المستويات أفرادا وحكومات ونظاما دوليّا؛ من الاحتكار في الاتّجار بوسائل الوقاية من الفيروس كتوفير الكمامات والمعقمات والمواد الغذائية الأولية، إلى تعمّد بعض الحكومات دعم نظرية حصانة القطيع وسنّ إجراءات في إطار مجابهة تداعيات كورونا الاقتصادية لفائدة أصحاب رؤوس الأموال للحصول على تعويضات غير مستحقّة، واقتطاع من أجور الموظفين في حين عجزت هذه الحكومات حتى عن إيصال بعض المعونات الإنسانية إلى العائلات المعوزة التي خرج كبارها يستجدون الفتات طوابير مكتظة أمام مكاتب البريد. وهذا السيناريو نفسه تكرر من قبل في الأزمة المالية العالمية لسنة 2008 حيث توجّهت المبالغ الطائلة المقترضة إلى خزائن البنوك والشركات بدلا من إنقاذ المتضررين من عامة الشعب. ولا ريب أن الاستدانة والاقتراض الخارجي بات الخيار الأوحد لحكام المسلمين في أزمة كورونا أيضا. أمّا المبادرة التي طرحها صندوق النقد الدّولي في نيسان/أبريل 2020 فقد تمثلت في تعليق مدفوعات خدمة الديون لـ25 دولة عضوا فيه وقدّرت بــ213 مليون دولار ولكنه لم يسقطها بالرغم من أنه قد تلقى دعما دوليا لمواجهة تبعات كوفيد-19 يساوي 500 مليون دولار.

لقد كان فيروس كورونا بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس ليتّضح بالبرهان احتضار النظام الحالي، ويتبيّن أننا بحاجة إلى نظام عالمي بديل، نظام رعاية لا يقصي أحدا ويلبّي حاجيات رعاياه فردا فردا. هذا النظام، هو الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وعد الله الحق وبشرى نبيّه، فهلمّ إلى نيل شرف العمل لإقامتها ونصرة الحق، فالله تعالى قد اشترط نصرته من عباده ليتكفل بنصر الحق من عنده ويجعل العاقبة للمتّقين.

﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

 

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درّة البكوش

تطبيق دستور الأمة الإسلامية


الخلافة ميراث النبوة


قناة الخلافة