دولة الإسلام الأولى ليست تجربة بشرية بل هي أحكام شرعية

دولة الإسلام الأولى ليست تجربة بشرية بل هي أحكام شرعية

 
إن الدولة الإسلامية التي أقامها رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ليست تجربة شخصية أو تاريخية مضت وانتهت بموت النبي الكريم بحيث لا يجب التزامها، بل إنها هي الطريقة العملية التي جاء بها الوحي لإيجاد الإسلام في واقع الحياة بشتى نواحيها وحمله للعالم بالدعوة والجهاد، فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم يقم الدولة من هواه أو عبقريته بل إن الله أمره بذلك فألزمه أن يقوم بإقامة الحكم والدولة ليكون الإسلام واقعا عمليا وليس نظريات فلسفية أو أفكار خيالية بل هو عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام يعالج مشكلات الحياة في جميع جوانبها، فقد أوجب الشرع إقامة الحكم والدولة وحدد طريقة إقامتها وشكلها ومضمونها في الكتاب والسنة.
فمن حيث كون إقامة الدولة بأمر من الله سبحانه فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقيم الحكم بين الناس وهو طلب لإقامة الدولة والسلطان، فطلب منه أن يحكم بين الناس بما أنزله إليه سبحانه في الكثير من الآيات الموجبة لذلك وليست هي على سبيل الندب أو الإباحة بل على سبيل الوجوب، وطلب إقامة الحكم هو طلب إقامة الدولة والسلطان؛ إذ كيف لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين الناس بما أنزله الله من غير دولة ولا سلطان؟ وكيف يوجب الله عليه ذلك إن لم يكن حاكما؟ والناظر في آيات الحكم وأنظمة الحياة الإسلامية يجد أنها نزلت بعد استلام النبي صلى الله عليه وسلم للحكم كون استلام الحكم وإقامة الدولة هو الطريقة العملية لتنفيذ الحكم بما أنزل الله ورعاية شئون الناس بحسبها، وقد استلم صلى الله عليه وسلم الحكم ببيعة شرعية حيث بايعه الأنصار في بيعة العقبة الثانية حاكما على المدينة فكانت البيعة هي الطريقة الشرعية لتنصيب الحاكم، وكانت البيعة وطبيعتها واضحاً منها كل الوضوح أنها على الحكم حيث كانت على السمع والطاعة وعدم منازعة الأمر أهله، والأمر هو الحكم والسلطان. ولم تكن البيعة على الإسلام؛ فقد كان الأنصار مسلمين قبلها، وهكذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام الأولى التي طبقت شرع الله وحملت الإسلام ونفذته عمليا في واقع الحياة، علاوة على أن كثيراً من الآيات المتناولة للأحكام ليست مجرد وصايا أو قيم ومبادئ بل إنها أوامر ونواه وأحكام تفصيلية تطلب القيام بناحية عملية تطبيقية مما يجعل من مجموعها نظاماً متكاملاً في جميع جوانب الحياة، فكان الوحي كتاباً وسنة هو مصدرها ومبينها كحال كثير من العبادات التي أتى الأمر بها عاما في كتاب الله كالصلاة والزكاة والحج ثم أتى فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يفصلها ويبينها؛ حيث أنزل الله الكتاب على رسوله صلى الله عليه وسلم ليبينه للناس سواء بفعله أو قوله أو إقراره وسكوته، وهكذا أنظمة الحياة وبيان الأحكام العملية، فقد أمر الله بقطع يد السارق وجلد الزاني وقتل القاتل ثم أتت السنة النبوية تفصل ذلك وتبين متعلقاته، فكان البيان يأخذ حكم المبين من حيث الوجوب أو الندب أو الإباحة، وهكذا… فالذين يقولون إن إقامة الدولة وشكلها ومضمونها هي تجربة شخصية تاريخية للنبي صلى الله عليه وسلم لن يترددوا في وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بأنها تجربة شخصية كما يصفون قطعه ليد السارق أو جلده للزاني أو تقسيمه للملكيات – إلى ملكية خاصة أو عامة أو ملكية دولة – أو إنفاذه لكثير من الأحكام في جميع جوانب الحياة فيصفونها بأنها تجربة شخصية لا يجب التزامها أو التأسي بها، ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا﴾، إن هؤلاء يحاولون ترويج فكرتهم وسمومهم بالتفريق بين العبادات والمعاملات وما عرفوا أن هذا التقسيم حينما وضعه العلماء إنما وضعوه للتبويب والتسهيل وليس لضرب أحكام الإسلام وتركها والتهاون فيها، وها نحن نرى العلمانيين اليوم يفرحون بهذا التصنيف ليقولوا إن الإسلام هو فقط العقائد والعبادات والأخلاق وأنها وحدها المتعبد بها!!، أما المعاملات والعقوبات فهي ليست مادة دينية يتعبد بها حسب زعمهم، بل هي مادة سياسية يجب فصلها عن الدين في نظرهم المريض ليخرجوا من ذلك أنه لا بد من التفريق بين ما هو ديني وما هو سياسي أو تاريخي، كل ذلك ليفرغوا الإسلام من محتواه وليحاربوا مهمته في نهضة البشرية وتحقيق سعادتها فيفصلونه فكريا بعد أن فصلوه عمليا بالقضاء على دولة الخلافة العثمانية.
لقد كان الأولى بمن يريد أن يفهم الإسلام أن يتقيد أولا بطريقة فهمه الشرعية شرعا وواقعا، لا أن يفهم الإسلام حسب هواه أو علمانيته العفنة، صحيح أن الإسلام مكلَّف به كلُّ الناس وليس حكرا على رجال دون رجال فليس فيه رجال دين ورجال سياسة بل كلٌّ مكلفٌ بفهمه والعمل به، ولكن لا بد لمن يريد فهمه أن يتقيد بالطريقة الشرعية في فهم الإسلام فالإسلام خطاب ليس كأي خطاب بل هو خطاب أوحاه الله لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وهو خير من يفهمه وخير من يطبقه على وجهه الصحيح وأفعاله هي التبيان لنا، ثم صحابته من بعده رضوان الله عليهم فإجماعهم دليل شرعي كالكتاب والسنة حيث هم من نقلوا لنا الدين ولو تطرق الخطأ إلى إجماعهم لجاز أن يتطرق إلى الدين، وهيهات هيهات، فقد تكفل الله بحفظه فكان ذلك تزكية لهم رضوان الله عليهم أجمعين.
لقد كان الأولى بهؤلاء إن أرادوا أن يعرفوا ما الذي تعبّد الشرع به الناس وما هو الثابت وما هو المتغير كما يزعمون ويصنفون، أن يعودوا لمقياس الحلال والحرام الذي جعله الشرع المقياس الصحيح الثابت للحكم على الأفعال والأشياء وهو يبحث عن العقوبة والإثابة الشرعية فيبين ما يلتزم وجوبه أو ما يلزم الانتهاء عنه أو ما ندب إليه الشرع أو ما كرهه أو ما كان على التخيير، فما أمر الله به وجوبا يجب إتيانه والتزامه ولا تخيير فيه سواء أوجبه القران وبينته السنة فحينها تكون السنة التي بينته واجبة كحكم المبين الذي أوجبه الله في القرآن إجمالا دون تبيين أو تفصيل، وهذا في جميع جوانب الحياة وليس في الصلاة والصيام والحج بل أيضا في طريقة إقامة الدولة والحكم وفي شكلهما ومضمونهما وفي جميع الأحكام وأنظمة الحياة، فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال «صلوا كما رأيتموني أصلي»، والله سبحانه حذر من مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم وجعله معصوما ليبين الأحكام ويحفظ الدين حيث هو المعني بالتبيين للناس ما نزل إليهم، فهو الذي يطبقها كما أمر الله سبحانه حيث إن تطبيقه لذلك لا بد أن يكون على أكمله وكما أمر الله كونه محل تأس واقتداء فكما نأخذ عنه المناسك نأخذ عنه تطبيقه لأنظمة الحياة والأحكام التي أمر الله بإيجادها وتنفيذها لأنه صلى الله عليه وسلم لا يخطئ في ذلك وكيف يخطئ في تنفيذ حكم هو الذي بينه بسنته من فعل أو قول؟؟!! والقول بخلاف ذلك يجعل الخطأ يتسرب إلى الرسالة التي تقتضي عصمته في تبليغها، ومن تبليغها تطبيقه صلى الله عليه وسلم لها عمليا ليأخذ الناس ذلك ويعملوا به متأسين بمثل فعله ولأجله وعلى وجه الفعل الذي فعله نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم.
فحين يأمره الله بقطع يد السارق فإن النبي صلى الله عليه وسلم ينفذ ذلك كما أوحى له الله أن يقطعها فالسنة هي المبينة للقطع وهي المعينة لشروطه وكيفية إيقاعه، فهذا التنفيذ هو حكم الله بفعل رسوله صلى الله عليه وسلم وهو واجب الاتباع كوجوب قطع يد السارق في الآية التي تتناول ذلك، وهكذا في بقية الأحكام وأنظمة الحياة، فليست القضية هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم في التبليغ فقط والاقتصار على أقواله صلى الله عليه وسلم أنها هي التبليغ وحدها، بل إن تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم يكون بقوله وبفعله وبسكوته وإقراره وهذا أدلته واضحة في الكتاب والسنة ومما هو معلوم ضرورة إلا عند من يفكرون بالطريقة الاستعمارية في عهد الانهزامية وبهرجة العلمانية.
أما مسألة أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال «إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر…» فهو أولا يعلم المسلمين أنه في البينة والخصومات لا يعلم الغيب ولا يأتيه الوحي بصدق بينة فلان أو علان أو عدم صدقهما بل يقضي بناءً على البينة الظاهرة وينفذ الحكم كما أمر الله، بل إن هذا الحديث هو لبيان كيفية الفصل والقضاء حيث لربما ظن المسلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى في الخصومات بناء على الوحي له بحقيقة المدعي والمدعى عليه صدقهما من كذبهما، فأتى الحديث ليعلمهم ويبين لهم كيف يكون القضاء وأن الرسول صلى الله عليه وسلم من هذه الزاوية فقط بشر كحال البشر، فيجتهد في فهم كلام المدعي والمدعى عليه والقضية المتنازع فيها والبينة والتثبت منها ثم يقضي بنحو ما يسمع أي بما ظهر له في القضية فينزل شرع الله عليها ويطبقه، والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يريد كذلك من حديثه هذا أن يقول للمتخاصمين اتقوا الله فالشرع أمرني بأن أحكم بينكم بالبينة وما يظهر لي منكم وليس بالغيب ولا يأتيني الوحي عن حالكم وصدقكم، وربما ظن من حكم له بحق أخيه أن ذلك أصبح له حقا بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم، فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بعدم أخذ ذلك لأنه فيه إثم، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد تصرف في القضاء على أساس ما أمره الله وحكم بالظاهر، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم في فهم الواقعة بشرا وقد جعل الله للمصيب في ذلك أجرين وللمخطئ أجراً واحدا وليس عليه إثم في كلا الحالتين فلا معصية، ثم إن الحديث أتى أيضا ليفهم أولئك الذين يستغلون قضاء الرسول صلى الله عليه وسلم لهم وهم ليس لهم حق فيما قضى لهم به فيسخرون من الشرع والرسول صلى الله عليه وسلم وحكمه، ولسان حالهم استهزاء وطعن في الإسلام وأنهم استطاعوا خديعته، ليقول لهم الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أنا بشر فلا تظنوا أني حكمت بينكم بناء على الغيب في أمر البينة فلا دخل للغيب أو الوحي بحقيقة ادعائكم وإلحانكم في القول أو حقيقة البينة وحال الشهود… والله أمرني بالحكم بالظاهر.
وهذا الحديث يرشدنا أيضا إلى أن الحاكم ليس معصوما ولا يتطلب تطبيق الإسلام من بعده صلى الله عليه وسلم لحكام أو أئمة أو خلفاء معصومين، فما دامت نصوص الإسلام موجودة ومحفوظة قطعية أو ظنية فما على الحاكم الذي تختاره الأمة ليحكمها إلا أن يفهم الشرع فهما صحيحا ثم يطبقه، فهو في القطعيات التي لها فهم واحد لا يجتهد بل ينفذ ما أمر الله به بعد فهم الواقع الذي ينطبق عليه الحكم، أما في الأمور الظنية فيلتزم بالفهم القوي والراجح وجوبا وينفذه على الواقع المنطبق عليه سواء أكان ذلك في الخصومات أم في أي أمر من الأمور أو في أي ناحية من نواحي الحياة، وهكذا… فالحكم بالإسلام سهل وميسور فإذا التزم الحاكم بذلك فإن حكمه يكون إسلاميا ودولته دولة إسلامية وهذا ما سار عليه الخلفاء الراشدون من بعده صلى الله عليه وسلم فحكموا بالإسلام وليس بتجربة الرسول صلى الله عليه وسلم البشرية التي يدعي المضللون المشككون، بل حكّموا الإسلام وحكموا به في جميع جوانب الحياة، وفهموا الشرع كما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يفهموه، فكانت الخلافة الراشدة على منهاج النبوة وليست على أساس تجربة شخصية للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم بل اقترنت بالنبوة كون الرسول صلى الله عليه وسلم نبيا كما جاء في الحديث «…ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة».
أما مسألة شكل الدولة ومضمونها فقد حدده الإسلام ووضحه أيما إيضاح فقد جاءت النصوص الشرعية ابتداء وأطلقت مسمى الخلافة على اسم الدولة وعلى لقب الخليفة لمن يكون في هذا المنصب «ثم تكون خلافة على منهاج النبوة» «إذا بويع لخليفتين…» «ستكون بعدي خلفاء…» أو لقب إمام «من بايع إماما…» وكذلك لقب أمير المؤمنين بإجماع الصحابة، وجعل الإسلام الطريقة الشرعية لنصب الخليفة هي البيعة من قبل الأمة أو من يمثلها من أهل الحل والعقد فكانت الأمة تختار حاكمها، وحرم الإسلام تعدد الخلفاء وتعدد كيانات الدولة وحدد صلاحية الحاكم فالحكم مركزي والإدارة لا مركزية، وبين أسباب عزل الحاكم ومتى يكون الخروج عليه وجعل مصدر الأحكام والقوانين والدساتير هو الشرع وليس الشعب أو الحاكم، وبين الرسول صلى الله عليه وسلم كيفية إقامة الحكم وأجهزته فعين القضاة والمعاونين والعمال والولاة وقادة الجيش وكان هو صلى الله عليه وسلم القائد الفعلي له وهكذا كان شكل الدولة ومضمونها محددا… ولا يسعنا هنا الإسهاب في ذكر كثير من المحددات والأحكام لشكل الدولة ومضمونها، فكان النظام السياسي في الإسلام نظاما محددا واضحا في شكله ومضمونه، فكيف لمدع أن يدعي بعد هذا أن الإسلام ليس فيه نظام سياسي محدد أو طريقة عيش معينة؟؟!!، فإذا كان هؤلاء المنهزمون المضبوعون لا يدركون شكل الدولة ولا يطالبون به كونه ليس واجب الالتزام حسب زعمهم فلماذا لا ينظرون في مضمونها وما تحويه من أحكام ومن أنظمة إن كان يهمهم الجوهر لا المظهر أو المسمى لا الاسم حسب ما يدعون؟؟!! وهل تتشابه دولة الإسلام الخلافة في مضمونها مع علمانيتهم وأنظمتها التي لها يطبلون، إن الحاقدين على الإسلام الكارهين له يريدون بقولهم إنه لا يوجد نظام سياسي في الإسلام إنما يريدون من قولهم إفراغ الإسلام من محتواه شكلا ومضمونا ليتماشى مع علمانيتهم القذرة وأنظمتهم الشهوانية الشاذة، ولكن هيهات هيهات فقد وُجد رجال مخلصون لدينهم واعون عليه وعلى مخططاتهم وسمومهم، وها هو حزب التحرير قد وضع بين يدي الأمة وقدم لها مشروع دستور إسلامي مستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس الشرعي، كل ذلك ليعلم المسلمون حقيقة دينهم ومشروعه الحضاري النهضوي فيتصوروه في الأذهان ويعملوا لإقامته ليكون ماثلا للعيان في ظل دولة الإسلام القادمة قريبا بإذن الله، ألا وهي دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وصدق الله ورسوله وكذب العلمانيون ومن سار في فلكهم وفكر بطريقة تفكيرهم العوجاء.

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المؤمن الزيلعي

رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية اليمن

تطبيق دستور الأمة الإسلامية


الخلافة ميراث النبوة


قناة الخلافة