PDF

بشراكم رغم الألم

أوصى رسول الله ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما عندما أرسلهما إلى اليمن داعين الناس قائلاً: «وبَشِّرَا ولَا تُنَفِّرَا»؛ نهج نبوي أمر الله به نبيه عليه الصلاة والسلام في آيات عديدة: ﴿فبشِّرْ عِبَادِ﴾، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِين﴾، ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾… وآيات كريمة أخرى، وعلينا في عملنا بوصفنا مسلمين وحملة دعوة السير عليه بأن نجعل طريقنا البشارة؛ سواء لأنفسنا أو لغيرنا.

وفي هذا الزمن، ومع الابتلاءات الكثيرة التي يُبتلى بها المسلمون وكثرة الدسائس والمؤامرات والجراح والمخاوف، نحن أحوج إلى رفع راية التبشير، خاصة هذه الأيام من شهر رجب التي تحمل معها ذكرى أليمة ما زالت تتكرر منذ تسعة وتسعين عاما، وهي انتهاء دولة الخلافة.

فأقول: بشراكم بالعزة والنصر والتمكين.. بشراكم بانبلاج الفجر بعد ليل طويل.. بشراكم بالريادة والسيادة والقيادة…

سيتعجب العديد من هذه البشرى ويتساءلون:

أين البشرى ونحن في هذا الحال من الذل والتشرذم والهوان؟!! أين البشرى والبلاد الإسلامية متناحرة وبدل التغيير إلى الأفضل صار إلى الأسوأ؟!! أين البشرى والفتن منتشرة، والفساد قد عمّ وطمّ، وأحكام الله تُنتهك كل يوم وساعة؟!! ألا تسمعين الأخبار وتشاهدين تدنيس يهود للأقصى المبارك يومياً؟!! ألم تري ما حصل في بلاد الحجاز بما فيها مكة والمدينة؟! ألم تشاهدي المهرولين للتطبيع مع دولة يهود لا يستحيون من الله ولا من عباده؟!!

وقبل ذلك وبعده.. المسلمون مضطهدون، مُحارَبون.. ملاحقون.. يبطش بهم أعداء الله ورسوله قتلاً وحرقاً وغرقاً سواء في سوريا أو أراكان أو الهند أو كشمير أو اليمن أو العراق… غير ما يلاقونه من بني جلدتهم، بحيث أصبح من يقول لا إله إلا الله إرهابياً مجرما! فأين هي البشرى بالله عليك؟!!

نعم.. أعلم كل هذا وأكثر وأعيشه.. لكني أكرر.. بشراكم

أستبشر كلما قرأت قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً …﴾. فكما أؤمن بالله العلي العظيم أؤمن أن وعده حق وواقع، والاستخلاف قادم.

أستبشر وأنا أرى من يصلون الليل بالنهار ليحققوا هذا الوعد بإذنه تعالى، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لا يهابون في الحق شيئا، عاملين لاستئناف الحياة الإسلامية بدولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وعلى رأسهم أميرنا العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة.

أستبشر كلما قرأت حديث رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا». وأعلم أنه لا ينطق عن الهوى، لأعلم علم اليقين أن أمة الإسلام ستتربع على عرش العالم.

أستبشر مع تعالي الأصوات التي تنادي بالخلافة وتطالب بها لتحكم بشرع الله وحده..

أستبشر – مع الألم – وأنا أشاهد الملاحقة الشرسة والاعتقالات والبطش بحملة الدعوة من الحكام وأعوانهم، بالإضافة إلى التشويه والتعتيم الإعلامي الكبير والواضح، والباطل لا يُلاحق الحق إلا خائفاً منه ومن قُرب نجاحه في القضاء عليه.

أستبشر وأنا أشعر بخوف الغرب وتشويهه لفكرة الإسلام السياسي، وذعره من وصوله للحكم، فأنفق المليارات على الخطط والمؤتمرات والدراسات التي تهدف إلى أن تحول دون ذلك بشتى الوسائل.

أستبشر حين أرى تخبط الرأسمالية التي هي على وشك إعلان إفلاسها مثلما حصل مع الاشتراكية من قبل. فبعد الأزمة الاقتصادية، ها نحن نعيش أزمة “كورونا” التي أظهرت وبشكل واضح اهتراء هذا النظام وعجزه عن تلبية أبسط الاحتياجات الإنسانية نتيجة جشعه وطمعه وظلمه للإنسان.

كما قلت قبل قليل فأنا كذلك أعلم أن وضعنا اليوم عسير، فالحروب والمجازر تفتك بالبشر والحجر والشجر، وضنك العيش يعم الجميع، والفتن تأكل الناس كما تأكل النار الهشيم، والحكومات ضعيفة تابعة. لكن ألم تمر الأمة الإسلامية سابقا بأزمات وفترات عصيبة ربما لا تقل صعوبة عن وضعنا الحالي إن لم تكن أقسى؟! مثلا، اجتياح التتار لبغداد وتقتيلهم أهلها بوحشية حتى إن الدماء كانت تسيل من ميازيب المياه، وخلال أربعين يوما قتل ألف ألف مسلم أي مليون نفس، ألم تكن كارثة تقصم الظهر؟ وقبلها احتلال الصليبيين لبيت المقدس وقتلهم واحداً وسبعين ألفا كانوا قد احتموا في المسجد الأقصى. إنها والله مجازر بشعة، ومع ذلك لمن كانت الغلبة في النهاية؟ الجواب في معركة حطين ومعركة عين جالوت.

ألم يقل الله تعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً * إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً﴾!! فلن يغلب عسر واحد يسرين، وإذا اشتد الكرب وعظم الخطب كان الفرج حينئذ قريبا، والأرحام التي تنجب أمثال صلاح الدين وقطز لم تعقم بعد بالرغم من المحاولات المسعورة لإعقامها. فعلينا أن لا نيأس من طول الظلام، ولا من عدم الاستجابة للاستغاثات والنداءات.. بشراكم وعلى لسان المصطفى ﷺ حيث قال: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالدِّينِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ».

لكن.. لنا هنا وقفة مهمة:

فإن البشرى لا يحوزها إلا من أخلص وكان ابنا بارا بأمته، يريد لها الارتقاء والشموخ، ويرفض الانقياد والخنوع. لا يحوزها إلا من كان عبدا خاضعا لله، طائعا، عابدا، سائرا في طريق الحق والرضوان. لا يحوزها إلا من علم أنه لا حياة إلا بتحكيم دين الله في الأرض، ولا عيش إلا عيش الآخرة. إن البشرى لا تحقق إلا لمن أحيى سيرة المصطفى وسار على دربه وأعمل الشريعة التي بُعث بها… عندها ستُنصر أمة الإسلام من مالك الملك الجبّار وما ذلك على الله بعزيز.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾. [سورة محمد]

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مسلمة الشامي (أم صهيب)

 

تطبيق دستور الأمة الإسلامية


الخلافة ميراث النبوة


قناة الخلافة